حيدر حب الله
79
الحديث الشريف (حدود المرجعية ودوائر الاحتجاج)
لا إلى خصوص التواتر اللفظي التام . هذا كلّه ، فضلًا عن شواهد خاصّة ، فهذا ابن أبي عمير تلفت كتبه وصار يحدّث من حفظه ، وقيل : لهذا كثر الإرسال في رواياته ؛ لأنّه نسي أسماء الذين روى عنهم ، وجاءت له في الكتب الأربعة روايات تقارب الخمسة آلاف رواية ، فهل حدّث بها عن حفظ لفظي ونسي أسماء الرواة الذين نقلوا له ؟ ! إنّ هذا الاحتمال ربما يكون بعيداً بنظر العقلاء ، كما هو واضح ، وقد سبق أن تحدّثنا عن مراسيله ، فلا نطيل . هذا ، وقد أقرّ المحقّق الإصفهاني بأنّ الغالب في الأحاديث هو النقل بالمعنى « 1 » ، وقال الوحيد البهبهاني : كثيراً ما كان الرواة ينقلون بالمعنى « 2 » ، ونحوهما غيرهما كالمحقّق التستري ، وغيره « 3 » . بل حتى لو قيل بأنّ دأبهم كان النقل باللفظ ، وأنّه لذلك تقاربت صيغ نقل الحديث بينهم ، فإنّ هذه الاختلافات الفاحشة بين الصيغ اللفظيّة ، شاهدٌ على أنّهم ما كانوا قادرين على ضبط الألفاظ بدقّة ، بل كانوا يقعون في التغيير القهري أو السهو أو النسيان أو غير ذلك ، والنتيجة الحاصلة من السهو والنسيان والخطأ غير المقصود وما شابه ذلك ، هي نفس نتيجة النقل بالمعنى بالنسبة إلينا تقريباً ، بحيث لا يحصل وثوق بأنّ ألفاظ هذه الأحاديث كلّها مما يمكن نسبته للمعصوم ، وهذا هو روح وجوهر قضيّة النقل بالمعنى ، فتأمّل جيّداً . من هنا ، يظهر الوجه في كلام الميرزا القمّي الذي قال - وهو يناقش وجوب النقل باللفظ - : « إنّ اعتبار النقل باللفظ في الجميع ، يقرب من المحال ، بل هو محالٌ عادةً » « 4 » .
--> ( 1 ) انظر : نهاية الدراية 3 : 387 ، 390 . ( 2 ) الفوائد الحائريّة : 119 ؛ وانظر : المصدر نفسه : 285 . ( 3 ) انظر : التستري ، النجعة في شرح اللمعة 6 : 74 ؛ وعبد الزهراء الحسيني الخطيب ، مصادر نهج البلاغة وأسانيده 1 : 45 . ( 4 ) القوانين المحكمة : 482 .